الأحد، 16 يونيو، 2013

كلنا وجيهة الحويدر!

لم أصدق الخبر الذي وصلني من صديقتي فالنتينا كولمبو، الأستاذة في العلوم الإسلامية بجامعة روما. بعثته إلي على التويتر، وتأكدت منه من وجيهة الحويدر نفسها.  
وجيهة الحويدر، الناشطة الحقوقية النسوية السعودية حكم عليها بالسجن عشرة أشهر ومنعت من السفر لمدة عامين. الحكم صدر عليها وعلى صديقتها، والناشطة الحقوقية فوزية العيوني. وفحواه محاولة "هدم الحياة الزوجية" لامرأة كندية متزوجة من رجل سعودي.
 قضية السيدة الكندية معروفة، فهي تزوجت وأنجبت منه ثلاثة أطفال، وعندما سافرت معه إلى السعودية عام 2005، بدأ يسيء معاملتها، ويضربها، ثم يمنع عنها وأطفالها الطعام. أصبحت مع الوقت سجينة شقتها.
وجيهة الحويدر وفوزية العيوني حاولتا مساعدتها، والنتيجة أنه قبض عليهما، ثم بدأت محاكمتهما في قضية بدا من الواضح من البداية أن الهدف هو ترويع الناشطتين.
 لم تكن القضية قضية المرأة الكندية، رغم مأساتها المؤلمة.
كانت القضية محاولة من السلطات السعودية كي تجبر وجيهة الحويدر وزميلتها على الصمت.
وجيهة الحويدر كانت أول من تحدى قرار حظر قيادة السيارة في السعودية، ونشرت فيديو وهي تقود السيارة على اليوتيوب عام 2008 .
بالنسبة لها كانت قيادة السيارة رمز. رمز لقيود تكبل المرأة السعودية، تحولها إلى قاصر لا يمكنها أن تتحرك دون "وكيل أو ولي أمر" يتحدث باسمها، يقيد من حركتها، يقيد من حريتها، ويحرمها من أن تكون كائناً متساوياً مع الرجل في الحقوق والكرامة.
ظلت منذ سنوات عديدة تعمل مع غيرها من الناشطات السعوديات دون كلل. تدعو إلى الإصلاح، تدعو إلى تغيير القوانين التمييزية المجحفة داخل السعودية، تكتب مقالات،  التي منعت مع الوقت من النشر في الصحف السعودية، وتصر على الإصلاح.
 كل ذلك ولم تدعو مرة إلى تغيير النظام السياسي الحاكم. لم تفعل ذلك أبداً. كانت دعوتها هي إلى الإصلاح من داخل الإطار السياسي.
لكن النظام السعودي، الذي كان "يتحمل النقد" قبل الربيع العربي، أصبح "يخاف" منه "مرعوباً".
لم يعد يحتمل أي نقد. ولذلك بدأ يستخدم أسلوب الترهيب والترويع. لم يعبأ بأي ضجة إعلامية دولية، أو نقد المنظمات الحقوقية الدولية، وهو يلقي القبض على اصوات إصلاحية مثل عبدالله الحامد، محمد فهد القحطاني، او تركي الحمد.
ثم تحول إلى وجيهة الحويدر وفوزية العيوني بقضية أقل ما يمكن أن تقال عنها أنها تكشف عورة القضاء السعودي. قضاء لا يوفر مترجم للسيدة الكندية التي لم تفهم كلمة واحدة خلال جلسات المحاكمة. قضاء "اعتباطي"، لم يشارك فيه وكيل النيابة، وتعامل فيها القاضي مع الحويدر والعيوني بأسلوب "تعسفي"، كأنه خصمهما، لا القاضي.  قضاء ينتمي بجدارة إلى القرون الوسطى.
الحويدر والعيوني متهمتان بمحاولة "هدم حياة زوجية" وتشجيع زوجة على "التمرد" على زوجها. في أي قرن تعيش فيه المملكة؟
قضية وجيهة الحويدر وفوزية العيوني هي قضية ضمير. تعكس واقع حقوق الإنسان الغائبة في المملكة.
والمملكة تظن أنها قادرة على انتهاك حقوق مواطنيها ومواطناتها، وكتم أصوات الداعين والداعيات إلى التغيير السلمي.
تعتقد أنها قادرة على ذلك خاصة مع صمت حلفائها الغربيين المخزي.
في مواجهة هذا الصمت، نرفع صوتنا نحن، ونقول "اليوم، كلنا وجيهة الحويدر".


مسجد شامل، مسجد بدون تمييز!


أعُدُ لكتابٍ عن محاكم الشريعة في بريطانيا، يتطلب مني السفر إلى هناك، إجراء لقاءات، زيارة المحاكم، جمع معلومات، والبحث في المكتبات.
ومثل كل كتاب أعددت له في السابق، كان السفر بوابة حياة جديدة. فتحت لي الباب على مصراعيه للتعرف على واقع لا اعرفه، والتحدث إلى أشخاص جدد، لهم ولهن فكر متعدد، وتجارب مختلفة تشربت ولذا تنوعت حسب خلفياتهم/هن الثقافية والدينية.
لن أحدثكما هنا، عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، عن المجتمعات المغلقة التي وجدتها في وسط لندن، أو عن الصدمة التي تعرضت لها هناك من بعض ما شاهدته.
ذاك حديث سيأتي حينه. وحينه ليس الآن.
اليوم أريد أن احدثكما عن مسجد طالما حلمت به، وحدثتكما عنه في مقالات سابقة لي.
عن مسجد لا يميز بين الإنسان. يحترم الإنسان ويقبل به كما هو، كما هي.
مسجد يقوم على مبادئ المحبة، السلام، المساواة، الحرية، والتنوع.
 لا يدعو بالدمار على رؤوس من "لا يؤمن"، على "الكفار"، على "العلمانيين"، على "الصليبيين واليهود".
مسجد محبة.
وجدته هناك في لندن.
أو على الأقل وجدت فكرته في مشروع جديد، تدعمه مجموعة من الشابات والشبان من بريطانيا، أسمه مبادرة المسجد الجامع (الشامل)  Inclusive Mosque Initiative (وصلة موقع المشروع أدناه).
"نريد مسجداً يشعر فيه كل إنسان بالترحيب"، قالت لي زينب، البريطانية التي أسلمت عندما درست مادة عن الفلسفة الإسلامية، وإحدى مؤسسات المبادرة.
درست الفلسفة الإسلامية التي يلعنها التيار السلفي، والتي يدعو عليها تيار الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي.
لكنها مع تحولها إلى الدين الإسلامي، لم تجد مسجداً يضمها بين حناياه. أليس هذا محزناً؟
قالت لي إنها لاحظت وغيرها أن الكثيرات بدأن يتركن الإسلام. بعضهن ولدن مسلمات، وبعضهن تحولن إلى الإسلام. لكن مع الوقت شعرن أن الدين كما يمارس اليوم يتجاهل وجودهن. يتجاهل أنهن إنسان. فتركوه.
صديقة لها، ومؤسسة رئيسية للمبادرة، عادت من زيارة إلى الولايات المتحدة وحدثتها عن وجود بعض الجاليات الأمريكية المسلمة تمارس إسلاماً "تقدمياً"، أسميه أنا "إنسانياً"، ثم حدثتها عن بعض المساجد التي رأتها هناك، فانطلقت الفكرة: "لم لا نبني نحن أيضاً مسجداً، يكون جامعاً، جامعاً للإنسان بتنوعه".
مسجد لا يسألك هل أنت مسلم أو مسلمة كي تتمكن من الصلاة فيه. يرحب بك وبكي، كإنسان يحق له ولها أن تصلي في أي بيت من بيوت الله.
مسجد تصلي فيه المرأة مع الرجل. لا يفصل بينها جدار، لا يفصل بينهما حاجز. رجل، وامرأة يصليان أمام الخالق متساويان، تماماً كما خلقهما، خلقهما متساويان، في الكرامة والحقوق.
ولذا، تؤم فيه المرأة، كما الرجل، المصلين والمصليات.
مسجد لا يُسأل فيه المصلي والمصلية "إلى أي مذهب تنتميان".
ومسجد يرحب بالمثليين من الرجال والنساء. نعم. من المثليين من الرجال والنساء.
يرحب بهما ويحبهما. تماماً كما خلقهما ويحبهما الله.  
من قال إن الله لا يحب خلقه؟
أعرف أن بعضاً منكما يهز رأسه الآن مستنكراً. رافضاً غير مصدق.
ولعله سيلعن.
وغيره سيكفر، سيقول "كفرن. عن أي مسجد يتحدثن؟"
كفرن بماذا؟ اطرح السؤال على من يكفرنا.  
كل ما نطالب به هو مسجد، بيت لله، يحترم آدميتنا وإنسانيتنا ونحن نصلي.
تماماً كما أعرف أن بعضاً منكما، سيهز رأسه متسائلا متفكراً.
ولعله سيقبل بالفكرة بعد وقت، أو سيرفضها. وسيفعل ذلك محترماً لمن يخالفه. ستفعل ذلك في احترام.
في المقابل أنا على يقين، أن بعضكما سيتنهد كما لو أن فجوة انشقت في قلب السماء ليلة القدر. وجد ما كان يبحث عنه. وجدت ما كانت تبحث عنه.
يبحث عن مسجد محبة. تبحث عن مسجد سلام ومساواة.
مسجد يحترم الإنسان كما هو وهي، ويقبل به كما هو أو هي.
الفكرة طموحة.
ليست مستحيلة. فأنا لا أؤمن أن هناك مستحيل. التغيير يبدأ بنا نحن. نصنعه بما نمارسه في حياتنا.
وزينب رغم إدراكها للصعوبات الجمة التي تواجه تحقيقها لم تيأس بعد. تبحث عن متبرعين ومتبرعات لتمويل المشروع.
وإلى حين بناء المسجد، نظمت هي واصحاب وصاحبات المبادرة عدة انشطة وفعاليات، شارك فيها في كل مرة نحو 40 مشارك ومشاركة.
و المبادرة التي بدأت بفكرة من فتاتين، وجدت مؤيدين ومؤيدات لها، ليس فقط في اقاليم متعددة في بريطانيا، بل في جنوب إستراليا، في الكاشمير، وفي كوالا لامبور.. والقائمة ستزداد.
لكن طبيعة التحدي كانت تفرض نفسها دائماً.  
حكت لي زينب كيف أن مجموعتها نظمت مرة لقاءاً مشتركاً، بدأنه بصلاة جماعة، تؤمها امرأة. شارك في اللقاء للمرة الاولى شابان.
رفضا الفكرة منذ البداية. أصرا أن ما يحدث خاطيء. ثم قررا ان يصليا على جانب، بعيداً عن الجماعة (التي ضمت رجالاً ونساءاً) التي تصلي خلف الإمامة.
وبعد الصلاة دخلت المجموعة كلها في نقاش جاد وحاد حول الموضوع.
واضافت: "ليس من الضروري أن نتفق في آراءنا، لكن المهم أن يكون لكل منا الحق في دخول ذلك المسجد، بغض النظر عن هويته او رأيه".
أتعرفان ما الذي ابهجني في هذه الحادثة؟ أن الشابين لم يغادرا. أي والله هذا ما أفرحني.
 رفضا الفكرة، صليا وحدهما، ثم انضما إلى المجموعة ليشترك الجميع في نقاش وحوار.
"دعونا نتحدث عن الأمر. بدلاً من أن نكفر بعضنا الآخر."
ما حدث يعكس قناعة المبادرة.
تشرح لي زينب: نريد مسجداً جامعاً بمعنى شامل واسع، لا يتضمن فقط موضوع النوع، بل يهدف إلى خلق مساحة حوار، يلتقي فيها السني، الشيعي، الصوفي، القرآني، النسوية، المحافظ، لتبادل الآراء والأفكار والخبرات، وهي مساحة ترحب ايضاً بالمتشككين وغير المتدينين". 
اظنها تريد مساحة تقبل بالإنسان كما هو، لا تصنفه، وطالما أن ما يؤمن وتؤمن به لا يدعو إلى قتل أو إقصاء الآخر، لا ينتهك حق من حقوق الإنسان لمن حوله، فليؤمن هو، ولتؤمن هي كما تشاء.
الله يحب خلقه.
لم نصر نحن على أن نكره خلقه؟
اكرر. الفكرة ممكنة. ليست مستحيلة.
ويوماً ما، سنبني هذا المسجد.
يوماً ما، سيكون معلماً تاريخياً.
يوماً ما سيقال: "في ذلك الزمان، كانت الفكرة غريبة. اليوم لم تعد كذلك."
إلهام مانع
وصلة موقع المبادرة: 


الأربعاء، 22 مايو، 2013

في ذكرى النكبة/تأسيس دولة إسرائيل: "لن أكره"

ترددت كثيراً في كتابة هذه الكلمات.
كلمات لعل الكثيرين والكثيرات في الجانبين العربي والإسرائيلي يترددون في النطق بها. رغم إقتناعي أن أنفسهم وهن تهمس بها.
 صوت الأغلبية عادة ما يكون صامتاً.
تتابع، تراقب، تلتفت حولها، تريد حياة آمنة، كريمة، عادلة. تريد أن تحيا ومَن تحب بسلام. وحبذا لو تركوها وشأنها. وتصمت.
وفي مقابل صمتها، ترتفع في الجانبين العربي والإسرائيلي الأصوات المُطّبلة للحروب، عالية، زاعقة، غاضبة، تنفخ في النار، تؤجج معها الكراهية والحقد.
تقول لنا صباح مساء: "إياكم والنسيان. يكرهوننا. نكرههم.  فلنصر على الكراهية".
وأنا تعبت من الكراهية.
أنا لا أكره.
-----
قلت أني ترددت في كتابة هذه الكلمات. 
كنت دوماً ارغب في كتابتها. لكني كنت أتراجع، أقول لنفسي، "ليس هذا وقت الحديث"، واحذرها، "ستفتحين على نفسك جبهة جديدة. ألم تتعبي بعد؟ وسيلعنونك من جديد".
بيد أني  اليوم، في ذكرى النكبة/ تأسيس دولة إسرائيل التي مرت، قررت أن أكون صادقة. أقول كلماتي كما هي دون أن أراجعها. 
قررت أن وقت هذا الحديث هو اليوم.
ولذا، سأبدأها  بعبارة قد تكون مزعجة للكثيرين:أنا لا أتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من منطق متحيز لجانب واحد.
أتحيز للإنسان، نعم.
أتحيز للضعيف، نعم.
لكني في كل هذا أرى صراعاً له طرفان، وأرى الطرفين معاً. ثم أرى الإنسان فيهما.
وكي أكون صادقة، لا أرى في الإسرائيليين والإسرائيليات عدواً. 
لا أريد لهم ولهن الأذى.
لا أريد لهن ولهم الدمار.
أريد لهم ولهن سلاماً وأماناً، تماماً كما أتمناه للفلسطينيين والفلسطينيات.
 أرى الإنسان في الإسرائيليين والإسرائيليات.  تماماً كما أرى الخوف الذي يسكنهم وهن.
لكني لا أتعامى عن أراضٍ اُنتزعت وتُنَتزع، وواقع احتلال جبار غير عادل، يقتل الإنسان الفلسطيني وكرامته، وينتهك أدميته في المناطق الفلسطينية.
تماماً كما لا اتغاضى عن التمييز الذي يتعرض له العرب الإسرائيليون، في دولة لازال بعض الساسة فيها لم يقتنعوا بعد بأن على الدولة أن تخدم كل مواطنيها ، على حد تعبير رجل الأعمال الإسرائيلي ستيف فيرتهايمر.
هذا مهم.
ارى  الجانبين معاً، الأثنين معاً. وانشد السلام والآمان لهما، معاً.  
وكما أرى الجانبين، أتابع أيضاً النافخين في النار. لا أغمض عيني عن الكراهية التي يؤجج لها التطرف الديني اليهودي والإسلامي على حد سواء.
تلك الكراهية قائمة. ونموذجها المستوطنون وحماس في الجانبين. كلاهما يحتاج الآخر كي ترتفع رسالة الدمار التي يدعوان إليها. ينشرونها  على الجانبين ناراً، تلتهم بألسنتها الإنسان فيهما.   
رغم ذلك، أُكرر: أنا لا أكره.
لا أكره.
لا أكره الإسرائيليين والإسرائيليات.  تماماً كما أني لا أريد دمار دولة إسرائيل.
وفي الوقت الذي ادافع فيه عن حق الفلسطينيين والفلسطينيات في إنشاء دولة توفر لهم الاستقلال والأمان والرفاه، وأرفض سياسية الاستيطان  الممنهجة التي تنسف السلام من جذوره، ادرك ايضاً أن اكثر الأصوات المعارضة لسياسية الاستيطان إسرائيلية .
أكثر الأصوات المعارضة لسياسية الاستيطان تنبع من داخل إسرائيل نفسها.
وأن اكثرها دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين منظماتٌ إسرائيلية، على رأسها منظمة السلام الآن الإسرائيلية. نقف أمام ما تفعله في سبيل تسوية عادلة ونشعر بالخزي من جعجعتنا الصوتية.
-----

رؤيتي هذه تجعلني أتعامل مع هذا الصراع بصورة مختلفة.
تضع الإنسان في لبه، فلسطينياً كان أو إسرائيلياً.
أتجاوز الحكومات وابحث عن الإنسان، عن الإنسان فينا، في العربي، الفلسطيني، الإسرائيلي.
وأمد يدي له، أحمل غصن زيتون، لا خنجر.
ثم أتحيز لهذا الإنسان، أياً كان.
أتحيز للطفل الفلسطيني والإسرائيلي.
للطفلة اليهودية المسلمة والمسيحية.... والهويات عديدة.  
لو نزعنا الهوية عنهما، لرأينا "طفل وطفلة"=  إنسان.
-----


تسألاني، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، لم قررت أن أكتب هذه الكلمات اليوم؟
لأني قرأت كتاباً. أعطته لي صديقة عزيزة.
أكملت قراءته قبل أيام. إلتهمته في الواقع إلتهاماً.
عنوانه "لن أكره". نشرته دار نشر كندية عام 2011، وُترجم إلى عشرين لغة منها العربية، والعبرية والألمانية والإيطالية والصينية والإندونيسية.
كتبه طبيب من قطاع غزة. د. عزالدين أبو العيش.
طبيب شب في مخيم جباليا بقطاع غزة، ورغم طاحونة الفقر التي اجبرته على العمل وهو يدرس، تفوق في دراسته، وأصبح طبيباً في مجال الوراثة والإخصاب، وعمل في مستشفيات إسرائيلية في مجال اختصاصه .
كان حلقة وصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
جسر.
يؤمن بأن السلام لا يتحقق بالكلمات والأماني الطيبة. بل بالتواصل والمواجهة الصريحة ثم التعايش اليومي.
لا يجامل عندما يتحدث عن واقع الاحتلال.
لا يجامل، لا يداهن، لكنه لا يكره.
كان يخاطب الإنسان فيهم وهن.
ولذا كان لحديثه وقع على آذان الإسرائيليين.  
ثم بدأ يحمل المرضى من الجانب الفلسطيني إلى الجانب الإسرائيلي، ليعالجهم أطباء إسرائيليون يؤمنون مثله بالإنسان الذي في غيرهم.
نفس هؤلاء الأطباء هم الذي تكبدوا المشاق مع السلطات الإسرائيلية كي يستخرجوا للدكتور أبو العيش تصاريح العمل والدخول إلى إسرائيل.
إلى أن أنهار العالم من حوله.
في 16 يناير 2009 في هجوم إسرائيلي على قطاع غزة، دمرت قذيفتان جزء من منزله وقتلت ثلاث من بناته (من ست بنات وولدين)، بيسام في الواحدة والعشرين من عمرها، ميار في الخامسة عشرة من عمرها، وآية  في الرابعة عشره من عمرها.
غيره كان سيكره. وهل يمكن أن نلومه إن فعل؟  
لكنه لم يفعل.
لم يفعل.
لم يكره. بل كان أكثر تصميماً.  
خرج من هذه المحنة مصمماً على رسالته: "لن أكره".
 هو "لا يكره الإنسان. بل يكره فعل هذا الإنسان
كان قادراً على الغفران،  وفي الوقت ذاته يردد "هذا لا يعني أن لا نعمل من أجل تصحيح واقع هذه المظالم".
وبدلاً من أن يجتر فقده في ذخيرة حية للحقد والكراهية، حولها إلى طاقة إيجابية، أسس منظمة إحياءاً لذكرى بناته الثلاث، تقدم منحاً دراسية للمتفوقات الفلسطينيات والعربيات. بدلاً من الكراهية، وفر مستقبلاً للألاف من الفتيات.
كتابه جعلني افكر في صمتي.
في الواقع جعلني أخجل من صمتي.  
قلت لنفسي، رغم ما حدث له وجد الشجاعة كي ينطق بتلك العبارة القصيرة "لن أكره".
 قصيرة لكنها تحوى  الكون بأسره حباً وضياء.
ولذا أرددها أنا الأخرى من بعده.
"لن أكره".
ثم اطرح السؤال، ألم يحن الوقت كي ننشأ حركة سلام مشتركة من الجانبين العربي والإسرائيلي، تتجاوز "الأمنيات والابتسامات" إلى "الفعل المشترك، الذي يقرأ التاريخ بمنظور الجانبين، ثم لا يتغاضى عن الآلام والجروح القديمة"؟
حركة سلام مشتركة تضغط على حكوماتنا، كي ننهي هذا الصراع الذي يقتل الإنسان فينا كل يوم.
فعل مشترك يفتح لنا آفاق مستقبل، وأمل.
ألم يحن الوقت لذلك؟
كم من الدماء يجب أن تسيل إلى أن نتوصل إلى قناعة أن العنف لا يولد إلا عنفاً، وأن الكراهية لا تنبت إلا عنفاً.
وأن "العين بالعين، والعالم يصبح أعمى". على حد تعبير المهاتما غاندي. 
أقول هذا وأنا أعرف أن الأصوات سترتفع في وجهي من جديد، تلعنني من جديد، وتصر: "إياكم والنسيان. يكرهوننا. نكرههم.  فلنصر على الكراهية".
لكني قررت أن اكون صادقة، وأقولها لكما كما أؤمن بها: أنا لا أكره، بل أحب.


إلهام المانع تتحدث عن الحرية ووضع المرأة العربية وبشرية النص الديني في حوار نشر في جريدة النهار البيروتية


إلهام المانع تتحدث عن الحرية ووضع المرأة العربية وبشرية النص الديني:
نتحرر عندما نقرر أن نكسر الصمت وجدار الخوف في أنفسنا
اجرى الحوار: حميد زناز
http://newspaper.annahar.com/article.php?t=adab&p=1&d=25036

إلهام المانع أستاذة مشاركة في معهد العلوم السياسية في جامعة زيوريخ، كاتبة وناشطة حقوقية، وعضو في اللجنة الفيديرالية السويسرية لحقوق المرأة. ذات جنسية مزدوجة، يمنية وسويسرية، متزوجة من سويسري وأم لطفلة، وتقيم في سويسرا. لها مؤلفات بحثية وحقوقية بالعربية والإنكليزية والألمانية كما لها روايتان عن دار "الساقي" في بيروت، "صدى الأنين" 2005، و"خطايا" 2008. كتابها الأخير صدر بالإنكليزية في لندن عن "دار روتليدج" بعنوان "الدولة العربية وحقوق المرأة: فخ الدولة المستبدة". معها هذا الحوار.

¶ الحجاب حمل لعبء قيم سائدة وأثقال تربية منغلقة ورمز ثقافة ذكوروية مريضة. في ندائك الشهير الموجّه إلى المرأة المسلمة "اخلعي الحجاب!" فجرتِِ قنبلة فكرية. ما دواعي هذا النداء الجريء في وقت يتصاعد فيه المد الاصولي بشكل غير معهود؟ وكيف يمكن المرأة أن تتخلص وحدها من هذه الاثقال؟
- كان النداء ضرورياً، ولا يزال. عرضتُ أكثر من مرة على طالباتي وطلابي في مادة الجندر والدولة العربية، التي أدرّسها، صوراً لحفلات تخرج في جامعة القاهرة، تحديداً منذ الخمسينات إلى وقتنا هذا (صورة لكل عقد). في الخمسينات لم تكن هناك إمرأة محجبة واحدة. كل الطالبات كنّ سافرات. في عام 2007 كل الفتيات باستثناء فتاة أو إثنتين كنّ محجبات. الحجاب إذاً تغيير اجتماعي تغلغل في عقولنا، اسست له إيديولوجيا دينية سياسية تقول للمرأة إنها عورة، فتنة، وإن عليها حماية الرجل من فتنتها. وإنها هي المسؤولة عن إغواء ذلك المسكين الضعيف. عليها أن تغطّي شعرها، جسدها، وحبذا لو اقتطعت من نقابها فجوةً لعينها اليسرى كي لا تغوي المسكين بعينيها الإثنتين! إنها إيديولوجيا تصرّ على أن الرجل حيوان مسعور، يلهث وراء لحم المرأة، لا يستطيع ان يسيطر على غرائزه. وحش يجب لجمه، واللجام هو حجاب المرأة. مسكينة هذه المرأة. إنها ليست كائناً في نظر هذا الاتجاه الديني، ليست إنساناً. ليست كائناً مستقلاً. هي جزء من رجل. عليها أن تطيعه، وإذا لم تطعه لعنتها الملائكة، كأن الله رجل. في طبيعة الحال، تلك الإيديولوجيا الدينية السياسية وجدت المناخ مهيأ لها في مجتمعاتنا منذ البداية، وخصوصاً أن مشروع "الحداثة" الذي تحمست له دول المنطقة بعد استقلالها، أخذ من الحداثة قشورها، ولفظ جوهرها. النتيجة هي ما نراه. إلى يومنا هذا، اعتدنا كثيراً على التأكيد أن مسألة الحجاب "شخصية"، تُترك للمرأة، هي التي تختار. على الأقل هذا ما يقوله تيار الإسلام السياسي عندما يكون خارج السلطة، لكنه، لحظة وصوله إلى السلطة، يحول المسألة "الشخصية" إلى مسألة "فرض". يفرضها على المرأة رغماً عن أنفها. لم أفهم إلى يومنا هذا أي "خيار" تتمتع به المرأة من خطاب يقول لها "إذا لم تتحجبي فستحترقين في جهنم. والخيار بالطبع لك!". اقتناعي ان "الحجاب" مرآة لرؤية مجتمعية دونية للمرأة والرجل معها. هو جزء من "مشروع سياسي فاشي"، يسعى إلى قولبة المجتمع، والمرأة هي في صميم هذا المشروع. لحسن الحظ أن وصول حركات الإسلام السياسي إلى السلطة كشف القناع عن وجهها، وخصوصاً أن كل ما كنا نخشى أنها ستفعله، تفعله اليوم. حان الوقت لنزع ذلك الحجاب.
¶ ما هي في رأيك طرق تحييد الدين في العلاقة بين الرجل والمرأة؟
- تحييد الدين يبدأ بإصلاحه، وإصلاحه بصورة تكسر الدوائر المغلقة للتفكير. أو بعبارة أخرى تقتحم المجال المحظور التفكير فيه. إلى يومنا هذا عندما نتحدث عن القرآن نتردد في أن نُقر ببشرية القرآن. وأعني ببشرية القرآن تماماً ما تعكسه كلمة "بشرية". القرآن كتبه بشر. النسخة التي تم إقرارها في عهد الخليفة عثمان بن عفان هي نسخة "رسمية للدولة". أنا لا اقول ذلك لمجرد كسر المحظور. أقوله كي نتمكن من الخروج من الدائرة المفرغة التي ندور فيها منذ عقود، لأن القرآن هو كنيستنا. القرآن هو كنيسة الإسلام، وكي نتمكن من التحرر من كنيستنا، سيكون علينا أن نتحرر أيضاً من النص القرآني. كلما تحدثنا عن المرأة أشرنا إلى نصوص قرآنية. بعضنا يستخدمها ليؤكد ان الإسلام يحترم كرامة المرأة، والبعض الآخر يستخدمها ليؤكد أن عليها طاعة الرجل، وان الأخير قوّام عليها. في الحالتين، المرجع هو القرآن. عندما نقر ببشرية القرآن سيكون من السهل علينا أن نقول ببساطة، نعم هذا النص موجود في القرآن الكريم، لكنه لا يتماشى مع واقعنا اليوم. متى وصلنا إلى هذا الاقتناع سيكون من اليسير فصل الدين عن الدولة، لأن هذا الفصل هو الخطوة الأساسية لتحييد الدين في العلاقة بين الرجل والمرأة. حينها تُسَنّ قوانين للأحوال الشخصية لا تعتمد على القواعد الفقهية الدينية كمصدر.
¶ كيف تفسرين التشبث المرَضي بالماضي لدى العربي المسلم عموماً، وما رأيك على وجه الخصوص بمسلمي الغرب الذين يحاولون تديين الحضارة في وقت هم في أشد الحاجة إلى تحضير دينهم ليتماشى مع القيم المعاصرة؟
- من لا حاضر له يبحث عن وجوده في الماضي. غياب هذا الحاضر يتحمل مسؤوليته الكثيرون. الدولة المستبدة خلقت فراغاً سياسياً وفكرياً، ترك المجال لتغلغل تيارات الفكر الإسلامي السياسي؛ وغياب مشروع إصلاح سياسي وديني منذ نشأة الدولة الحديثة خلق دولاً كرتونية غير شرعية، تتحكم فيها نخبة، تعبّر عن مصالح اقلية في المجتمع. ولأنها تعرف أنها دول غير شرعية، تركت للأجهزة الأمنية العنان، فقتلت كرامة الإنسان في وطنه. هذا يأخذنا إلى موضوع مسلمي الغرب. معظم من هاجر إلى الغرب، خرج بحثاً عن حياة كريمة ومستقبل. الكثيرون وجدوا هذه الحياة. على رغم ذلك، نجد أن هناك بعض الجاليات المسلمة، عمدت إلى تحويل "الدين" إلى "هوية"، وامتزجت بهذه "الهوية" المستوردة إلى المدى الذي جعلها تعيش معزولة عن المجتمع المحيط بها. أقول المستوردة، لأنها لم تأخذ بالدين كما يعاش ضمن إطاره المجتمعي، بل كثيرا تتلقف قوالب فكرية تصدرها دولٌ خليجية. الأخطر، أن الفكر الديني السياسي، بصوره الإخوانية، السلفية، الجهادية، والشيعية، امتد إلى بعض الجاليات المسلمة، فنجده يُدرَّس كمناهج للأطفال في المساجد، وينشر في الحلقات الدينية، والكتب التي توزَّع، والخطب الدينية التي تُلقى كل جمعة. النتيجة هي تعامل بعض الابناء والبنات من هذه الجاليات مع الدول الغربية التي احتضنتها بمنطق "عداء وكراهية". كأنها بقرة، يشربون ويشربن من حليبها، ثم تنهال أياديهن/م بالسكاكين في ما بعد لنحرها. المشكلة أن نمط السلوك نفسه الذي يلقي باللوم على الخارج في كل المشكلات التي نواجهها في حياتنا، يتكرر في أوساط تلك الجاليات. هناك إحساس دائم بأن المسلم والمسلمة "ضحية" ، وساهم في تعميق هذا الإحساس الاستخدام المتكرر لمصطلح "إسلاموفوبيا". على رغم إدراكي لخطورة التيار اليميني المتطرف في العديد من الدول الأوروبية، إلا أن معظم الجاليات المسلمة تتعامل مع حكومات تعمل جاهدة على احترام حقوق الأقليات. القول بإن المسلمين والمسلمات "ضحايا" يتجاهل أن هناك مشكلات مجتمعية كبيرة وكثيرة يتسبب فيها بعض من أبناء وبنات الجاليات المسلمة - الزواج القسري للفتيات، جرائم الشرف، ختان البنات- كما يتجاهل مواقف هذه الجاليات من أوطانها الجديدة، وخصوصاً أن انتشار مد الإسلام السياسي بين هذه الجاليات جعلها تصر على أن ولاءها لـ"الأمة" وليس لبلدانها الجديدة، وتعيش في الوقت ذاته داخل غيتوات مغلقة. مثل هذا الوضع يعطي ذخيرة لحركات اليمين المتطرفة للقول بإن هؤلاء "الأجانب"، ليسوا فعلاً "منا".
¶ "ولدنا أحرارا. الحرية ليست هبة. وحريتنا هي مسؤوليتنا. لذا كان مهما جدا أن نقرر. يجب أن نختار، ان نتخذ قرارا. وقرارنا هو المحك. هو الذي يحدد نوع الطينة التي بها جُبلنا. ولأننا أحرار كان قرارنا هو الفصل. لا خوف من عقاب، لا خوف من مجتمع، او حتى من الربّ. أحمق من يخشى غير نفسه". بهذا البيان تختمين روايتك "خطايا". كيف يمكن التحرر داخل ثقافة عربية إسلامية تخنق أنفاس الفرد وتعادي الحرية؟
- نتحرر عندما نقرر أن نكسر الصمت وجدار الخوف في أنفسنا، عندما نعبّر عن آرائنا كما نؤمن بها، عندما ننطق بها في كلمات واضحة ثم ندافع عنها. آنذاك فقط نتحرر.
¶ في كتابك الصادر بالالمانية "سأكسر جدار الصمت: الإسلام، الغرب، وحقوق الإنسان" 2009، قدمتِ رؤية عن إسلام إنساني يقوم على أربعة عناصر: الهوية، الحرية، إنسانية المرأة، وبشرية النص القرآني. هل يمكن في رأيك إصلاح الاسلام من دون المس بكنه الاسلام ذاته؟
- كنه أي دين هو علاقة روحانية مع قوة أكبر من الإنسان. لا أكثر ولا أقل. هذه العلاقة من الممكن ان تأخذ أشكالاً متعددة. فأيّ دين، أياً يكن هذا الدين، ما هو إلا وسيلة يستخدمها من يريد أن يؤمن. لذلك ليس هناك دين أفضل من دين آخر. كلها طرق، تصل بنا إلى الهدف نفسه. بكلمات أوضح، الإيمان يمكن أن يصل إليه الإنسان من خلال الأديان الإبرهيمية، اليهودية والمسيحية والإسلام، أو من خلال الأديان الهندوسية والبوذية، تماماً كما يمكن أن يصل إليه من دون دين. الدين ما هو إلا غلاف أو قشرة خارجية. أما المضمون فهو العلاقة الروحانية التي تربط بين الفرد والرحمن. كوني اقول ذلك يعني بداهة أني افترض أنه لا يوجد دينٌ كامل. ليس هناك دينٌ كامل. والإسلام أولها. الدين يصنعه الإنسان. كما أن الإنسان يصنع التغيير، فإنه هو من يجعل من الدين "سلاح كراهية" أو "غصن زيتون محبة". هذه الرؤية للدين تتطلب حتماً التعامل معه بشكل "نسبي"، فكما أن كل شيء يتغير، يتغير الدين. وطالما ان الهدف هو تنظيم علاقة الإنسان بالخالق (إذا أراد هذا الإنسان ان يؤمن) فإن كل ما عداه يخضع للتغيير.

عندما خرجت أتمشى: عن التحرش وحملة شوارع آمنة



تراقص المشهد أمامي، وأنا أقرأ كتاب "يحدث في الطريق"، التي أطلقته حملة شوارع آمنة اليمنية. 
وتذكرت. 
نصف ابتسامة تمتزج بالأسى تتأرجح على شفتي.
تذكرت أول ما فعلته عند وصولي إلى السكن الطلابي في مدينة بافلو، ولاية نيويورك الأمريكية. كان ذلك قبل عشرين عاماً تحديداً. 
كنت قد حصلت على منحة الفولبرايت الأمريكية، وبقائي في بافلو كان مؤقتاً ضمن برنامج توجيهي يهدف إلى تعريفنا، نحن الطالبات والطلاب، بالبيئة الجديدة التي تنتظرنا. 
تذكرت كيف القيت نظرة عابرة على غرفتي، جميلة، لكن ذلك لم يكن شاغلي. وضعت حقيبة ملابسي سريعاً، ثم 
خرجت من غرفتي مصممة. 
عاقدة العزم. 
فرحة. 
أكاد أختنق من التوقع. 
لا أريد سوى شيئا واحداً: أن اتمشى. 
أن اتمشى. 
في الشارع.
وحدي.
كان ذلك اول ما فعلته عند وصولي إلى بافلو. 
تمشيت! 
وتمشيت فعلاً. وحدي.
استنشقت الهواء بملء رئتي، جمعت ألوان الطبيعة بعيني، وودت لو أغلقت جفني عليها، كي تمتزج بروحي. وسلام يصافح الكون بجلاله يملأ نفسي. 
لم أعرف حجم الأذى الذي كنت اتعرض له في شوارع صنعاء، إلا في تلك اللحظة. 
في تلك اللحظة. 
ادركت حينها سبب جوعي للتمشي. 
أردت أن أتمشى دون مضايقة، دون أعين تخترقني، دون كلمات تجرح روحي. 
أردت أتمشى دون أن أشعر أني كتلة من لحم تتربص بها مجموعة من حيوانات مسعورة. 
أردت أن اتمشى بأمان. 
هنا لا يتربص بي أحد. امشى بكرامة. لا اضع على وجهي غضب الله كي ارهب من تسول له نفسه التحرش بي. هنا أمشى وانا مبتسمة. 
الرجال يمرون بجانبي، لا يتحرشون. 
تذكرت ذلك المشهد وانا أقرأ كتاب "يحدث في الطريق" الذي شارك في أعداده مجموعة من الشابات والشباب اليمني، من الناشطات والناشطين. 
كتاب يحكي عما يحدث لنا في الطريق، نحن، من الطفلات، الفتيات، والنساء. 
حصلت على نسخة من الكتاب من مديرة حملة "شوارع آمنة لمناهضة التحرش الجنسي في شوارع اليمن"، الناشطة غيداء مطهر العبسي. ارسلته لي عبر الفايس بوك. شكرت لها رغبتها في أن اطلع على الكتاب ونتائج الحملة. واستأذنتها أن أكتب مقالاً عنه. فسمحت لي. 
غصصت وأنا أقرأ صفحات الكتاب (وصلة الكتاب أدناه). 
صفحة بعد أخرى. 
امتهان بعد أخر. 
لطفلة في العاشرة، لطفلة في الثانية عشرة من عمرها، لفتاة، لإمرأة متقدمة في العمر. والحكايات والسرد معها في توالي . 
وسواء أن ارتدت شرشفاً يطبق بالأسود عليها، او كانت مرتدية حجاباً يفسح مجالاً لضياء وجهها، الأمر لن يختلف كثيراً. التحرش يحدث. لنا، لهن، في كل مكان. في الشارع، في التاكسي، في الباص، في مكان العمل، ثم من الجيران. 
كأننا ارض مشاع، يحق لكل من يريدْ، أن يضع يده عليها. 
اعيش منذ عشرين عاماً في دول غربية. 
ولم اتعرض يوماً واحداً للتحرش في الشارع.
هل تسمعون؟ لم اتعرض يوماً واحداً للتحرش في الشارع. 
الرجال هنا ليست مسعورة. لا تبحث عن اللحم. بل تنظر إلي كإنسان. 
اعرف بالطبع أن التحرش يحدث أيضاً في الدول الغربية ، في أماكن العمل. لكن الويل له من يظن أنه سيفعل ذلك ويفلت من العقاب. هناك قوانين، وهناك وعي بوجود هذه المشكلة، وهناك سرعة في ملاحقة الجاني. 
في إسرائيل وهي قريبة منا اضطر رئيس الجمهورية للاستقالة لأنه تحرش بموظفات لديه. 
في اليمن منْ تعرضت لتحرش رئيس الجمهورية اختارت أن تهاجر. منْ يحميها في بلدٍ حاميها حراميها؟
ليس هناك قانون يحمي المرأة من التحرش في اليمن. 
تذكرت أيضاً كيف كان "التحرش" امراً معروفاً لا نتحدث عنه هنا. 
خزي يحدث ولا نتحدث عنه. 
وأنا إلى يومنا هذا لم اتحدث عن هذا الموضوع. لأنه لازال يؤلمني. كثيراً. 
لكني فرحت، والله فرحت، وأنا أقرأ أسماء ناشطات يمنيات معروفات مثل أفراح ناصر، وهن يتحدثن عن تجاربهن. عن أول حادث تحرش تعرضن له. 
وهند الإرياني تتساءل بشكل مباشر، "لم لا يتنقب الرجال"؟ كما تطالبوننا نحن النساء بالتنقب كي لا نفتن الرجل، سيكون عليه أيضاً ان يتنقب كي لا يفتننا. أحببت مقالها. ابرز العوار في المنطق الذي يتحفوننا به. 
يوم نكسر جدار الصمت نتحرر. 
قلتها من قبل. 
وكتاب "يحدث في الطريق"، والحملة التي يدشنها منذ أغسطس 2011، كسر ذلك الجدار، وقدم لنا في الوقت نفسه جيلاً ونوعاً جديداً من الناشطات والناشطين. 
فتيات واثقات قويات. وشباب واثق قوي. 
يقفن متحديات لمن يقول "هذا لا يجوز، هذا مخجل، هذا نصمت عليه، هذا لا نفعله". 
جيل جديد يقول لنا ان التغيير ممكن، نستطيع أن نحققه بأيدينا، بمواجهة ما يحدث، ثم رفضه والسعي لتغييره. 
مع هذا الجيل أضم صوتي.
أنا لم أتحدث يوماً عن التحرش الذي تعرضت له. 
لن ازعجكن بتفاصيله.
يكفي أن أقول، أنه حدث لي أيضاً.
وأن الوقت حان كي نقول له جميعاً: كفى. 
إلهام مانع 

وصلة كتاب: "يحدث في الطريق" 
https://docs.google.com/file/d/1XKenC0q-kwafFJK3z3701te-wtMp2xqwzw3RE3ECxd_8rXSo1TQM3dj_tmbc/edit?pli=1

معلومات عن حملة شوارع آمنة (من الحملة نفسها)
حملة شوارع آمنة لمناهضة التحرش الجنسي في الشوارع:
انطلقت الحمله في 16 اغسطس 2011 ,تعمل الحملة حاليا على أبراز قضية التحرش الجنسي في الشوارع على السطح وكسر قاعدة المحرمات في التحدث حول هذه القضيه التي تعاني منها 98.9% من نساء اليمن خاصة في العاصمة صنعاء. وسوف تستمر الحملة إلى أن تحقق أهدافها بأن يتم إصدار قانون يجرم فعل التحرش الجنسي في الشوارع ومعاقبه المتحرش سواء كان رجل أو امرأة. إضافة إلى الضغط على صناع القرار بنشر دوريات لشرطة الأداب في الشوارع خاصة في الأسواق. وتنفذ الحملة مبادرة كفاية وتعد بيت التنمية شريك تقني للحملة http://www.thedh.org

الأحد، 24 فبراير، 2013

عن المرأة في ظل الدولة المستبدة والإسلام السياسي، والخريف الذي لحق بالربيع العربي


In light of the coming 8 March, the left leaning website Modern Discussion is organizing an open discussion between me and its readership. I am grateful for this opportunity to share my ideas and opinions. To prepare for this discussion i wrote an article entitled “On women, the Authoritarian state, Political Islam and the autumn that followed the Arab Spring”

بمناسبة عيد المرأة في الثامن  من مارس القادم، ينظم موقع الحوار المتمدن حواراً مفتوحاً بيني وبين قراء وقارئات الموقع.
ممتنة لموقع الحوار المتمدن لهذه الفرصة للتبادل مع القراء والقارئات.
http://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=347103


-------------

استغربت وأنا اعد لهذه المقدمة.
عادة لا تعجزني الكلمات.
لكني اليوم، هنا، في هذه اللحظة، ابحث عن الكلمات، وهي تنفر مني. يا الله كم أتعبتني.
غصة.
نعم. هي غصة.
هذا ما أستشعره في قرارة نفسي. غصة تسلخ بمرارتها حلقي. لكنها كغيرها من الغصات ستمر.
نعم. ستمر.
أردت أن اكتب عن الثامن من مارس، عن المرأة، وعن واقع هذه المرأة في ظل الانتفاضات التي اجتاحت المنطقة.
عامان مرا على ما اُصطلح على تسميته بال "ربيع العربي".
لو اردتما الصدق، اكره هذا التعبير.
عن أي ربيع نتحدث؟
الربيع يدخلنا إلى الخريف ليلتحق به الشتاء.
وصقيع قارص يستشعره الكثيرون والكثيرات اليوم، أما الخجل فيتوارى مهرولاً.  
وددت لو أسميناه انتفاضات الحرية، فعدا عن تاء التأنيث المتضمنة فيها، سنترك لها ولأنفسنا فسحة من الوقت. كي نتمكن من التقاط أنفاسنا، نبتلع خيباتنا، ثم نستجمع قوانا، ونعود لنعمل من أجل التغيير.
 نُصر على أنه ممكن، رغم الصقيع.
التغيير كان دوماً صعباً.
 هنا أو في أي منطقة أخرى من المعمورة، لا فرق.
وفي حالتنا هو أصعب بكثير لاسيما وأننا لا نواجه فقط انظمة مستبدة لا تريد أن تلفظ أنفاسها، وشقيقات لهن مصلحة في وأد الوليد في مهده، ومجتمعات نخر السوس في أنظمتها الفكرية و التعليمية والاقتصادية، وتعاليم دينية حان وقت إصلاحها بعد أن انتهت وقت صلاحيتها، ثم كتلة معجونة من التقاليد والعادات تقتل الإنسان في أرواحنا.
لا.
لا نواجه كل هذا فقط.
 بل نجابه قوى فاشية تتلفح بعباءات دينية تصر على إجهاض روح التغيير بإسم الله.
كوكتيل سام.
 ونصر على أنه "ربيع"؟
تعبير "الربيع" لا يعكس ما حدث ويحدث على أرض الواقع.
بل مخاض.
ومخاض صعب.
ونتائجه مفتوحة على كل الاحتمالات.

كي لا تكون الذاكرة دجاجة

أعود بكما إلى مقدمتي من جديد.
سأستخدم عدسة تنظر فقط إلى المرأة، باعتبار أن هذه المقدمة تمهد للثامن مارس.  استعيد فيها بعضاً مما حدث وما يحدث اليوم في هذا المخاض اللاربيعي.
لن أذكركما بمشاركة المرأة الأساسية في انتفاضات المنطقة.
كان دورها حاسماً، في الإعداد والتعبئة، والتوثيق، والتظاهر ثم المواجهة.
كسرت جدار الخوف. فهنيئا لها.
لن أذُكركما بهذا الجانب، لأنه ليس جديداً.  في الواقع لا أتوقع غير هذا من امرأتنا القوية. 
كانت دوماً قوية، رغم الغصات.
وشاركت  في ثورات الماضي والحاضر على حد سواء.
تماماً كما أنها شاركت في صناعة تاريخ المنطقة، لولا أن المؤرخ رجل، ذاكرته كالدجاجة، تنتقي حباتها بمنقار أعوج.[1]
سأترك هذا الجانب المعروف من مشاركة المرأة، و اعطف بكما على ركن  نريد أن نتجاهله بقوه.
لكنه ضروري إذا أردنا أن نبني مجتمعات سوية، على أسس عدالة انتقالية سليمة.
إذا كانت المرأة قد كسرت جدار الخوف، فأن ردة الفعل المضادة تجاهها توالت، وعلى الأخص المتعلقة بالدولة وأحزاب الإسلام السياسي.

سيف الدولة المسلط على جسد المرأة

كان هناك ولازال سيف الدولة المستبدة المسلط على جسد المرأة.
 يستغله لبذر الخوف في قلوب النساء والرجال على حد سواء.
الاغتصاب الجماعي كان دوماً سلاحاً في الحروب. حدث ويحدث في كل بقاع المعمورة.
ونحن كغيرنا لسنا الاستثناء.    
تقارير حقوقية كثيرة أشارت إلى استخدام نظام القذافي سلاح الاغتصاب الجماعي وسيلة للترهيب والترويع.
في تونس تكررت حوادث اغتصاب قبل فرار بن علي.
في مصر، استخدم النظام الذي لا يريد أن يلفظ أنفاسه، "اختبارات كشف عذرية" مشينة، لعقاب ناشطات قويات، رفضن أن يلجمن أصواتهن.
في البحرين لجأت الدولة إلى اعتقال ناشطات، وتركت أهلهن يحترقن في غياب أية معلومات عن مكانهن.
في اليمن، استخدم النظام السابق، الذي لطالما تحدث عن دعمه للمرأة، أسطوانة "عدم اختلاط المرأة بالرجال" سبيلاً لضعضعة وحدة الشباب والشابات في الفترة الأولى لحراكهم وحراكهن.
اما سوريا  فالأنباء تتوالى اليوم عن نمط الاغتصاب الجماعي  يتكرر في حرب أهلية طاحنة.
رغم ذلك، إلى يومنا هذا، يظل الصمت، التجاهل، والتواطيء، هو الجواب عندما يتعلق الأمر بملاحقة المتسببين  عن هذه الجرائم.
جرائم الاغتصاب الجماعي هي جرائم حرب بحسب القانون الدولي. لكن بعض المنظمات الحقوقية الدولية أقررن همساً  بخوفهن من فتح هذا الملف، خشية على حياة النساء والفتيات ممن تعرضن إلى هذه الجرائم.
يخفن عليهن، خاصة وأن المعتاد لدينا أن نُدخل الضحية إلى قفص الاتهام.
ولا أريد أن اذكركما بفضيحة لجنة حقوق الإنسان التابعة لمجلس الشورى المصري، التي اعتبرت الفتيات ممن يمارسن حقهن في التعبير والتظاهر، مسؤولات عن تعرضهن للتحرش الجماعي في ميدان التحرير! ولولا الضجة الدولية التي لحقت هذه التصريحات المشينة، ما اضطرت اللجنة الى بلع لسانها.
لا نعاقب المعتدي.
بل نُدخل الضحية إلى قفص الاتهام، ونغتصبها مرتين.
هذه واحدة. سلاح الدولة المسلط على جسد المرأة.

الإسلام السياسي والمرأة كساحة مواجهة

ردة الفعل الثانية جاءت من جبهة الإسلام السياسي. وساحة المواجهة كانت كما العادة دوماً هي جسد المرأة، إرادتها واستقلاليتها.
لعل احزاب الإسلام السياسي هي الوحيدة التي تدرك جيداً ما تريد عندما يتعلق الأمر بالمرأة.
والمسألة لا تتعلق فقط برؤية محافظة مهووسة إلى حد المرض بجسد المرأة.
في الواقع المسألة تتعلق بمشروع سياسي، اخشى أني سأكررها، مشروع سياسي فاشي، واقع المرأة فيه جزء لا يتجزأ.
المرأة هنا هي التي ستصنع جيل يفترض فيه أن "يسمع ويطيع" ثم "يجاهد" (يقاتل). ولذلك عليها أن تكون صورة مصغرة "للمشروع السياسي".
زي موحد.
لغة موحدة.
وغياب الإرادة المستقلة.
لم يكن غريباً لذلك أن تكن نساء احزاب الإسلام السياسي في البرلمانات الجديدة المنتخبة هن أول من هدد مكتسبات المرأة.
أحزاب الإسلام السياسي، أكرر، هي الوحيدة التي تعرف جيداً ما تريد عندما يتعلق الأمر بالمرأة.
في مصر: رفضٌ لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، رفض لقوانين المساواة، الإصرار على إمكانية زواج الصغيرات (الأحرى ان نسميه اغتصاب الطفلات)، ثم لا ضير من عدم تجريم ختان المرأة.
في تونس حيث تقاليد العلمانية وقانون العائلة (المدونة) الذي ساوى بين المرأة والرجل منذ عام 1956 قد تأصلت إلى حد في المجتمع، كان من الصعب على أحزاب الإسلام السياسي بتياريه أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. رغم ذلك فإنها لم تيأس. سعت إلى تغيير الدستور، وتعديل مادة تقول بمساواة الرجل والمرأة أمام القانون إلى مادة تقول إن دورهما متكاملان.
ما شأني بدورهما؟ أريد قانوناً يحترم إنسانيتي ويعاملني مع الرجل على قدم المساواة.
عدا عن هذه المحاولات القانونية، بطش التيار السلفي بالفتيات والنساء في تونس.
سعى إلى ترويع المثقفات واستاذات الجامعة (نفس الأسلوب تكرر في بلدان عربية أخرى واليمن على رأسها). وما حدث في إذاعة القرآن وجامعة القيروان موثق.
والنهضة صامتة.
فتح الطريق أمام أباء يغصبن بناتهن على ارتداء الحجاب.
والنهضة صامتة إن لم تكن مشجعة.
ليتعرى امامنا حقيقة الحجاب.
ليس "فرضاً دينيا". بل "أداة تسلط" تسعى إلى "تكبيل الفتاة"، وترويع "جسدها".
ليس "فرضاً دينيا". بل "خوفاً من جسد المرأة". ذاك الذي يرعب المجتمع من رغبته في الحرية. 
المجتمع يريد أن يلجمها، والإسلام السياسي يريد أن يحولها إلى أداة تفريخ لجيشه الجهادي.   
إذن هذه الثانية.
ردة فعل مضادة ضد صوت المرأة العالي من جانب احزاب الإسلام السياسي.

التمييز لدينا يحدث بالقانون ويؤسس له مجتمع ودين

الإثنان، سيف الدولة المسلط على جسد المرأة، ومشروع الإسلام السياسي المناهض لحقوق المرأة، يعملان ضمن إطار إجتماعي قانوني ديني يرسخ بل ويؤسس للتمييز.
أقولها دائماً لطلابي وطالباتي.
كل المجتمعات عايشت وتعايش على مر التاريخ صوراً من التمييز ضد المرأة.
الفرق لدينا في منطقتنا، أن التمييز يتم بالقانون.
قوانين أحوال شخصية تتعامل مع المرأة على أنها قاصر، تحتاج إلى ولي أمر، اب، اخ، زوج. المهم ذكر.  
قوانين أحوال شخصية تترك للرجل حق هدم حياة زوجية بكلمات ثلاث. والمرأة بضاعة متعة، لا يحق لها أن تعترض.
قوانين أحوال شخصية تنزع حضانة أطفال المرأة المطلقة إذا قررت الزواج من جديد. كأن دورها هو التفريخ، والعناية بفرخها. أما أن تعيش أيضأً، فهذا لا يتوافق مع صورة المرأة المجتمعية.
قوانين في المغرب تسمح للمغتصب بتفادي العقاب عندما يتزوج من أغتصبها.
قوانين في اليمن تسمح للطفلة في الثامنة بالزواج.
ثم قوانين على الورق، جميلة على الورق، لكنها تظل على الورق، لا تترجم إلى الواقع.
حقيقة ٌ تعكس تدني الرؤية المجتمعية للمرأة.
في مصر، الدولة التي ازدهرت فيها حركة نسائية منذ القرن التاسع عشر، وحصلت المرأة فيها على حق التصويت منذ عام 1956 لم تتمكن المرأة من الحصول على أكثر من 2%  من مقاعد البرلمان في أي انتخابات لم تتمتع فيها بكوتا مخصصة لها.
نفس هذه النسبة حصلت عليها المرأة في البرلمان المصري المنتخب الجديد.
كان من المؤلم رؤية الطريقة التي تكالبت فيها قوى الإسلام السياسي والقوى المجتمعية المحافظة، وبمباركة صامتة من المجلس العسكري، لإلغاء نسبة الكوتا ال 10% التي تمكنت الحركة النسائية من الحصول عليها خلال عهد الرئيس السابق حسنى مبارك.
نفس الأسطوانة المشروخة التي استخدمت بعد اغتيال الرئيس السادات، استخدمت هذه المرة.
قالوا إن هذه قوانين "سوزان مبارك".
كأن مصر لا حراك نسائي فيها.
القوانين تعكس رؤية مجتمعية ، تستخدم الدين وسيلة لتكريس واقع المرأة المتدني.
وتمازج الثلاثة - قانون، رؤية مجتمعة، ودين - طفر إلى السطح من جديد في المرحلة الانتقالية التي تلت إسقاط العديد من الرؤساء في المنطقة.
لم يكن غريباً إذن أن ينعكس هذا على محاولات لتغييب تمثيل المرأة في اللجان والمجالس الجديدة.
مصر تمثل أسوأ نموذج، حيث غابت المرأة عن التمثيل في معظم اللجان التي تشكلت بعد تنحي الرئيس السابق مبارك، وفي اللجنة الدستورية المكلفة بصياغة الدستور، كان تمثيلها 7 من بين مائة عضو، 5 منهن كن من أحزاب الإسلام السياسي.
تونس كانت كالعادة النموذج، كان الاتفاق على المناصفة في الترشيح لانتخابات المجلس التأسيسي. التزمت الأحزاب بهذه المناصفة، لكنها لم تلنزم بوضع المرشحات في قمة القوائم. أمر معتاد عليه في الكثير من بلدان المنطقة.
رغم ذلك، مثلت المرأة 27% من مقاعد المجلس التأسيسي. عدد كبير منهن من النهضة.
في اليمن تم تمثيل المرأة ب27% في اللجنة المعدة لمجلس الحوار الوطني.
وفي ليبيا حصلت المرأة على 17% من مقاعد البرلمان المنتخب الجديد.

إمرأتنا القوية، تصر على التغيير رغم الصقيع

في كل هذه الحالات، في كل ما حدث ويحدث في المخاض العربي، كان دور المرأة في الدفاع عن مكتسباتها والمطالبة بحقوقها حاسماً، رغم ضعف المردود في مصر.
ربما لذلك قلت لكما في بداية هذه المقدمة، أني أستشعرها غصة، لكنها كغيرها من الغصات ستمر.
نعم. ستمر.
غصتي من واقع لم يتغير كثيراً. إن لم يكن قد ساء، خاصة عندما نتحدث عن الأحوال المعيشية الاقتصادية الصعبة، التي تردت كثيراً، وطحنت في دوامتها المرأة كالرجل اليوم.  
غصتي من محاولات إجهاض مستمرة لإفشال مشروع إصلاح يحترم الإنسان في المجتمع، أياً كانت هويته أو نوعه أو فكره، ويتعامل معه على قدم المساواة أمام القانون.
مواطن، مواطنة. متساويان.
إجهاض مشروع إصلاح يضع أساساً لمشروع عدالة اجتماعية يكون فيها الإنسان، مقدرته على الإبداع، والمبادرة، هو الثروة التي يجب بناءها كي نتمكن من بناء هذه المجتمع.
إجهاض مشروع إصلاح، يصر على أن إي تغيير لا يتناول إصلاح الدين فيه، سيكون مصيره ككل المشاريع الماضية الفشل. لأن الدين اليوم، كما يفسروه، هو جزء من المشكلة.
غصتي من هجمة كهنوتية شرسة تستهدف المرأة تحديداً منذ بداية المخاض العربي.
أستشعرها غصة في الثامن من مارس هذا العام.
لكن لو كانت المرأة في كل ما يحدث صامتة ضعيفة مستكينة. كنت سأختنق بغصتي. أي والله كنت سأختنق.
لولا أنها ليست صامتة. ليست ضعيفة. ليست مستكينة.
صوتها ارتفع في أرجاء منطقتنا، سمعناه واضحاً في مبادرة "انتفاضة المرأة في العالم العربي".
ظلت قوية، متمردة، مصرة على التغيير، رغم الأنين.
امرأتنا القوية.
 هي.
 هي وحدها قادرة على تغيير واقعها، لأن الحقوق لم تكن يوماً هبات.
تبتلع غصتها. تلتقط أنفاسها. تستجمع قواها.  ثم ترفع رأسها من جديد. مبتسمة. متحدية. تصر على أن التغيير ممكن، رغم الصقيع.
ولذا، فإن هذه الغصة، كغيرها ستمر.
نعم. ستمر.
إلهام مانع  




[1] ولذا ندين كثيراً بالفضل لمشاريع بحثية من نوعية مؤسسة المرأة والذاكرة المصرية (http://www.wmf.org.eg/ar ) التي أعادت إلى الحياة اصواتاً منسية من نساء صنعن التاريخ في المنطقة.